ابن عجيبة
257
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الأسرار له ، فَسَوْفَ تَرانِي ، فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ أي : أظهر له شيئا من أنوار الربوبية التي هي أسرار المعاني الأزلية ، جَعَلَهُ دَكًّا أي : مدكوكا مفتتا ، والدك والدق واحد . وقرأ حمزة : « دكاء » بالمد ، أي : أرضا مستوية ، ومنه : ناقة دكاء لاسنم لها . وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً مغشيا عليه من هول ما رأى ، فَلَمَّا أَفاقَ قالَ تعظيما لما رأى : سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ من الجرأة والإقدام على السؤال بغير إذن ، وقال بعضهم : تبت إليك من عدم الاكتفاء بقوله : لَنْ تَرانِي حتى نظر إلى الجبل ، وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ أنك لا ترى بلا واسطة نور الصفات ، أو أول أهل زماني إيمانا . الإشارة : رؤية الحق جائزة واقعة عند الصوفية في الدارين ، ولكن لا ينالها في هذه الدار إلا خواص الخواص ، ويعبّرون عنها بالشهود والعيان ، ولا يكون ذلك إلا بعد الفناء ، وفناء الفناء بعد موت النفس وقتلها ، ثم الغيبة عن حسها ورسمها ، تكون بعد التهذيب والتدريب والتربية على يد شيخ كامل ، لا يزال يسير به ويقطع به في المقامات ، ويغيبه عن نفسه ورؤية وجوده ، حتى يقول له : ها أنت وربك ، وذلك أن الحق جل جلاله تجلى لعباده بأسرار المعاني خلف رداء الأواني ، وهو حس الأكوان ، فأسرار المعاني لا يمكن ظهورها إلا بواسطة الأواني ، أو تقول : أسرار الذات لا تظهر إلا في أنوار الصفات ، فلو ظهرت أسرار الذات بلا واسطة لاضمحلت الأشياء واحترقت ، كما في الحديث : « حجابه النّور ، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه » « 1 » . فالمراد بالنور نور الصفات ، وهو الأواني الحاملة للمعاني ، لو كشف ذلك النور حتى تظهر أسرار الذات لأحرقت كل شئ أدركه بصره . والواسطة عند المحققين هي عين الموسوط ، فلا يزال المريد يفنى عن عين الواسطة في شهود الموسوط حتى يغيب عن الواسطة بالكلية ، أو تقول : لا يزال يغيب عن الأواني بشهود المعاني حتى تشرق شمس العرفان ، فتغيب الأواني في ظهور المعاني ، فيقع العيان على فقد الأعيان ، « كان اللّه ولا شئ معه ، وهو الآن على ما عليه كان » ، « ما حجبك عن الحق وجود موجود معه ، إذ لا شئ معه ، وإنما حجبك توهم موجود معه » . والحاصل : أن الحق تعالى تكون رؤيته أولا بالبصيرة دون البصر ، لأن البصيرة تدرك المعاني ، والبصر يدرك الحسيات ، فإذا انفتحت البصيرة استولى نورها على نور البصر ، فلا يرى البصر حينئذ إلا ما تراه البصيرة . قال بعض العارفين : هذه المزية العظمى - وهي رؤية الحق تعالى - في الدنيا على هذا الوجه : خاص بخواص الأمة
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في ( الإيمان - باب في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : إن اللّه لا ينام ) من حديث أبي موسى .